أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

602

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

كلاما هذا معناه . والحاصل : أن الحق تعالى غيور لا يحب قلب عبده أن يركن إلى غيره ، وهذا من كرمه تعالى وإحسانه إلى عباده ، ولذلك قال : 413 - وقد أوقفني علمي بكرمك عليك . قلت : لما دفعته العوالم إليه لم يجد كريما سواه ، فأوقفه كرمه على بابه ، ولاذ بجانبنا والكريم لا تتخطاه الآمال . قيل : معني كرم اللّه إحسانه لعباده ، وقيل : الذي لا يدع حاجتهم لغيره ، وقيل الذي يعطي قبل السؤال . قال الجنيد : الكريم الذي لا يحوج إلى السؤال . وقال المحاسبي : الذي لا يبالي من أعطى ولا كم أعطى . وقيل : إن من فهم كرم اللّه تعالى لم يجزع من سوء قضاء ، لأنه يرى المصيبة نعمة مستورة عن إدراك الخلق ، كما قال سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه : ما أصابني اللّه بمصية إلا رأيت للّه فيها ثلاث نعم : الأولي : حيث لم تكن في ديني . الثانية : حيث لم تكن أعظم مما وقعت . الثالثة : أن الخطايا تكفر بها ، فأنا أشكر اللّه عليها انتهى . ولهذا قالوا : ليس العجب ممن يلتذ بالنعيم ، إنما العجب ممن يلتذ بالعذاب الأليم ، وذلك لا يكون إلا بخرق عادة النفس حتى تلتذ بما يتألم به الناس ، كما قال القائل : أريدك لا أريدك للثّواب * ولكنّي أريدك للعقاب وكلّ مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب وقال آخر : إذا كانت الأقدار من مالك الملك * فسيّان عندي ما يسرّ وما يبكي والحاصل : أن المحبة إذا قويت غيبت المحب عن الآلام وإلا فهي ناقصة ومنشأ المحبة شهود الكرم كما تقدم ، ومن وقف بباب كرم مولاه لا يخيب أمله ومناه ، كما أبان ذلك في المناجاة الموفية ثلاثين بقوله :